مداخلة لوران فابيوس وزير الشؤون الخارجية ـ المؤتمر الافتتاحي لمعهد الشؤون الدولية -6 أيلول/سبتمبر 2012

السيد عضو مجلس الادارة، السيد المدير،
السيدات والسادة الأساتذة،
السيدات والسادة، طالبات وطلاب معهد الشؤون الدولية،
السيدات والسادة،

أنا سعيد بالتحدث إليكم ورؤية مقاعد مدرج إميل بوتمي حيث جلست قبل بضعة سنوات، في مرحلة كان فيها معهد العلوم السياسية، على رغم مزاياه، يهتم كثيراً بفرنسا، وبعض الشيء بأوروبا، وبالعالم النذر اليسير. اشكر السيد غسان سلامة على دعوته لي لإلقاء هذه المحاضرة الافتتاحية لمعهد الشؤون الدولية، معهد لا يزال يانعاً ـ فهو موجود منذ 2010 فقط ـ لكنه مع ذلك يحظى بالإعتراف بدوره. وإنشاؤه كان مهماً جداً لأنه أتى لكي يقوي وجود القضايا الدولية ضمن معهد العلوم السياسية. وحين أقول ذلك، لدي خاطرة مثلكم حيال ريشار ديسكوان الذي حمل على كتفيه هذا المشروع.
يسمح هذا المعهد بجذب العديد من الطلاب إلى فرنسا، لاسيما من خلال برامج التبادل. أحييهم وأتمنى لهم طيب الإقامة في فرنسا. أنا سعيد بالتمكن من القول لهم، لكم بشكل مباشر وقوي بأن حضوركم مرغوب به ومهم بالنسبة إلينا. تريد
فرنسا تطوير أطر إستقبال طلاب العالم وتطوير جاذبية تعلميها العالي. لهذا فالحكومة التي أنتمي إليها ألغت منذ تشكيلها تعميماً سابقاً كان يهدف إلى الحد من إمكانات قيام الطلاب الأجانب في فرنسا بالخبرة المهنية.

ويسمح معهد العلاقات الدولية أيضاً، مع أساتذته وباحثيه، بتقوية العلوم السياسية الفرنسية في بعدها الدولي. إن وجود الباحثين والأساتذة الفرنسيين في الشبكات الدولية، في المؤتمرات واللقاءات العلمية لسيت مهمة في حد ذاتها فحسب، بل لأنها تسمح ايضاً بحمل مقاربات علمية مرتبطة بحساسيتنا. لا ننظر إلى العالم بالطريقة نفسها من معهد العلوم السياسية، وهارفرد ومعهد لندن للإقتصاد أو جامعة برلين. يخطر في بالي لاسيما الاهتمام الذي توليه العلوم السياسية في فرنسا للعمق التاريخي، ولتعقيدات المجتمعات، وللجوانب الانتروبولوجية وللتحديات الاجتماعية. هذا الإهتمام موجود في ديبلوماسيتنا: العلوم السياسية القادرة على التأثير في النقاشات العلمية هي أيضاً دعم للسياسة الخارجية.
من خلال الإشارة إلى هذه المسائل، أتطرق إلى عمق ما أريد قوله. وسأتناول مكانة فرنسا في العالم وبعض الأوجه العامة للسياسة الخارجية لفرنسا. ثم سأكون سعيداً بالرد على أسئلتكم.

*****
السيدات والسادة، الأصدقاء الأعزاء،

وزارة الشؤون الخارجية هي في الوقت نفسه وزارة الأزمات ـ وزارة الوقت الفوري ـ ووزارة الوقت الطويل، لأن السياسة الخارجية الجيدة تُبنى على الزمان. هذا هو جُل صعوبات عملنا ـ الذي قد يكون عملكم ذات يوم. يجب التحرك يومياً، إزاء أحوال طارئة مأساوية أحياناً ـ يرد في خاطري على سبيل المثال المأساة السورية ـ لكن لا يجوز غض النظر عن الزمن الطويل، الأفق، الذي يجب أن يكون كالحراج. إن الديبلوماسية التي تكتفي بمحاولة الرد على الأزمات، والتي قد تعمل بشكل متقطع، أي بالخبطات ـ يمكن إيجاد أمثلة، من بينها في فرنسا ـ سوف تكون عاجزة عن تحديد الوجهة والحفاظ عليها، أي إمتلاكها وسائل التأثير في العالم بغية البقاء سيدة مصيرها
لهذا، يجب التحلي برؤية واضحة عن العالم وعن التغيرات التي تؤثر عليه. كان برغسون يقول في عبارة مشهورة:"تحرك كرجل فكر وفكَّر كرجل عمل". لن أحاول وصف التطورات الدولية بالتفصيل: هذا ما سيكون عليه موضوع عامكم الدراسي وسوف أكون بالضرورة سريعاً جداً. لكن أريد الانطلاق من بعض التحولات التي تؤثر بشكل مباشر على سياستنا الخارجية.

في الواقع، ساهم العديد من التطورات في إعادة رسم بيئتنا. الديموغرافيا: سنكون أكثر من 8 مليارات نسمة عام 2030. تعاني بعض البلدان من الشيخوخة وتشهد إنخفاضاً في نسبة الولادات بينما تبقى بلدان أخرى وستبقى شابة ـ القارة الأميركية وغالبية البلدان الآسيوية وافريقيا عموماً. لفرنسا دموغرافيا مؤاتية. ولهذا الأمر تداعيات من حيث الثقل النسبي للتمويل والهجرة إلخ. تضاف إليها الاضطرابات الإقتصادية بالطبع، مع تأثيرات عولمة التبادل التجاري، وصعود قوى جديدة، ودور البلدان الجديدة الناشئة، ونمو أفريقيا وآسيا. من عام 2000 إلى 2010، إنخفضت حصة البلدان المتطورة الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادي في الإقتصاد العالمي من نسبة 60 إلى 51 في المئة. أما التداعيات فهائلة كتحول مراكز القرار إلى الجنوب وآسيا (الصين واليابان ...)، وتدريب الطبقات المتوسطة الجديدة، وتأكيد ارتفاع عدم المساواة بينما يبقى بعض السكان على هامش النمو، ولكن أيضاً ثمة قلق متزايد في البلدان المتقدمة التي تواجه الخوف من خفض تصنيفها. فالأزمة الأوروبية في أبعادها الاقتصادية والمالية والمؤسساتية هي جزئياً نتاج هذه الاضطرابات. لم تكيف أوروبا، ومن بينها فرنسا، كفاية بعد حتى اللحظة أداتها الانتاجية ولكن على العكس فهي ساذجة في الكثير من الأحيان واستشرافها غير كاف في مواجهة المنافسين الجدد. وإلى جانب العولمة الإقتصادية، فإن عولمة الاعلام تحمل أيضاً تأثيرات اساسية: إنها تحفز التطلعات إلى الحرية وتساهم في تحويل الهويات. من الممكن أيضاً الحديث عن عولمة التهديدات: الأخطار المناخية والبيئية ، لم تؤخذ كفاية بعد بعين الإعتبار، ولهذا سيكون لها تداعيات أساسية مع أنها لا تزال غير واضحة المعالم في تفاصيلها ـ نضوب الموارد وصعوبات التزود بالمياه والأثر الحاسم للإختلال المناخي.

سأشدد بشكل خاص على تطور مهم حدث خلال العقود الأخيرة وهو مرشح للاستمرار: تقاسم القوة أو حتى تشظيها. في الواقع، نحن عبرنا من العالم الثنائي القطبية القائم على المواجهة بين المعسكرين إلى عالم حيث القوة مجزأة بشكل مزدوج. مجزأة أفقياً بين العديد من الدول. ومجزأة عمودياً بين أنواع مختلفة من اللاعبين الذين يفرضون نفسهم في اللعبة الدولية إلى جانب الدول وهي: المنظمات غير الحكومية، والمنظمات الإقليمية، والمنظمات الدولية، ولكن أيضاً كنمط داكن جداً، سواء المنظمات الإجرامية أو الإرهابيون العابرون للحدود الوطنية. وكلمة تعدد القطبية التي كانت قد استخدمت، تصف بشكل مبتسر هذا العالم، لأنه ليس مكوناً من العديد من "الأقطاب" بل من العديد من اللاعبين ذوي حجم وطبيعة مختلفتين. ففي حين تؤكد الصين ذاتها كقوة عظمى جداً إلى جانب الولايات المتحدة ـ إلى حد أن البعض يتحدث عن الصين ـ أميركا كمجموعة الدولتين ـ فان العديد من الدول الأخرى تعترض على هذا المنطق الثنائي.
إذاً أمامنا عالم غير متوازن ومتشظي، يرسم نظاماً دولياً مختلفاً ومفتوحاً ومنعدم السيطرة على حد سواء، حيث أن النزاعات بين الدول هي أقل أحياناً مما هي في داخل الدول، ومن دون أن تتمكن منظمة دولية فاعلة من ضبطها وتنظيمها في إزاء هذا التقاسم الجديد للقوة والمخاطر. إن أحد أكبر تحديات السنوات المقبلة هو إعادة إبتداع آليات التنظيم والتحكم السياسي تتوافق مع هذا الواقع الجديد. إن تشظي القوة يجب أن ينعكس ويتم تجاوزه في المنظمات الدولية. كما تعرفون، فرنسا تؤيد الاصلاح الذي يؤدي إلى توسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لكن يجب أيضاً إيجاد طرق لتجاوز العقبات لمواجهة المآسي الإنسانية أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ألا ينبغي النظر في وضع "مدونة سلوك" ـ لقد قُدم الإقتراح ـ يلتزم فيها أعضاء مجلس الأمن بعدم ممارسة حق الفيتو في حالات الأزمات الإنسانية الخطيرة حيث مصالحها ليست في خطر؟ هذا أحد الأسئلة العديدة المطروحة.

إن استحقاقات التنظيم والتحكم ليست سياسية فقط. فالتحديات الهائلة التي ذكرتها لا يمكن التعامل معها إلا جماعياً ـ تنظيم وقوننة القطاع المالي والتحديات المناخية ولاسيما نفاذ المواد الأولية. إن ابتداع التنظيم والتحكم الدوليين الجديدين هذين يعنيان التوصل إلى حلول وسط مع الجهات الفاعلة الجديدة، وفي المقام الأول الصين والهند، ولكن أيضاً "البلدان الجديدة الناشئة" أكثر فأكثر. الحوار معهم أمر حاسم بينما هناك أحياناً تفاوت بين المسؤوليات التي يقبلون بتحملها وبين وزنهم الإقتصادي. إن هدف التنظيم والتحكم الدولي، المعاد تعريفه وتقويته، أساسي لديبلوماسيتنا. فحالة التشظي التي تطرح في الوقت نفسه مشاكل رهيبة، تترك أيضاً هوامش مهمة للمناورة. إن علاقات القوة وخطوط التقاسم ليست مقفلة في الواقع كما كان الأمر في مرحلة الحرب الباردة.

****
في هذا العالم ذي القوة المجزأة، تمتلك فرنسا أوراقاً رابحة ومميزة للعب دور أساسي. ولقد جرى حديث حول بلدان مختلفة عن " القوة الناعمة" و"القوة الصلبة" و"القوة الذكية". ولاستعراض حالة فرنسا الفريدة سأتحدث بطيبة خاطر عن "القوة المؤثرة": بلدنا هو "قوة تأثير". وفرنسا هي من البلدان القليلة القادرة على التحرك والتأثير كثيراً على الساحة العالمية.
وإذا تفحصنا العوامل المادية البحتة فان فرنسا قوة متوسطة الحجم. فسمة العلاقات الدولية هي قدرة دولة معينة على التحرك، ولا يستنتج دورها فقط من وزنها الموضوعي. تأثيرنا هو حصيلة عناصر مختلفة تحدد مجتمعة فرادة وعالمية فرنسا: مركزنا كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وترتيبنا كخامس قوة إقتصادية عالمية، والسلاح النووي الذي نمتلكه، ولغتنا التي يشاركنا في التحدث بها أكثر من 200 مليون شخص، وثقافتنا وبحوثنا المعترف بها، وروابطنا الخاصة مع العديد من الدول. وأضيف تحت عنوان عوامل التأثير، إحترامنا للقانون، وهمنا الكوني ـ الذي يمر بالدفاع عن حقوق الإنسان وتشجيع الديموقراطية ـ بحيث أننا نتكلم في كثير من الأحيان بما يتجاوز مصالحنا الخالصة للتعبير عن صوت الذين لا صوت لهم. تعطينا هذه الأبعاد مُجتمِعة استقلالية في التحليل، والقرار والعمل، وهي أداة أساسية من قوتنا: هذا ما يتيح لنا القدرة على التحرك الذاتي وتشكيل جسر ورابط بين مختلف القوى. وهكذا نحن ـ وهذا ليس بجديد ـ حلفاء وطيدون ومخلصون للولايات المتحدة، هذا البلد الكبير والشعب الكبير الذي نتقاسم معه الكثير، لكننا لسنا منحازين لهم إذ نضطلع بحرية التعبير عن خلافاتنا حول هذا القرار أو ذاك حين تكون موجودة.
مميزات فرنسا هذه ليست مجردة أو نظرية، إنها تحيل إلى الوقائع التي هي مثابة رافعات بالنسبة إلينا. أفكر على سبيل المثال بواقع نتمسك كثيراً بأهميته ألا وهو الفرنكوفونية. أعرف بأن التعليم في معهدكم يجري في 70 في المئة منه باللغة الانكليزية، لعله أمر لا مفر منه! لكن بالنسبة لفرنسا يشكل تشجيع اللغة الفرنسية هدفاً مهماً، ذلك أن اللغة ليست وسيلة إتصال فقط، إنها أيضاً حاملة للقيم، وجسر بين المجتمعات، وصلة وصل بين الأفراد. فاللغة هي أيضاً ثقافة، ووسيلة لفهم العالم، وطريقة تعبير وتفكير. والكفاح من أجل اللغة الفرنسية هو معركة من أجل التنوع والتعددية، واستحقاق من أجل الاشعاع لكنه أيضاً استحقاق إقتصادي: فالقرب اللغوي مفيد حين يتعلق الأمر بفتح أسواق جديدة أو القيام بنشاط تجاري. لهذا سأجعل "الديبلوماسية الفرنكوفونية" محوراً مهما في عملنا.
وإلى جانب الفرنكوفونية، يمكنني أيضاً التطرق طويلاً إلى مجمل ديبلوماسية التأثير الخاصة بنا، التي تعد واحدة من الأول في العالم: التعاون الثقافي والمؤسسات الثقافية وشبكة المؤسسات التعليمية الفرنسية في العالم، وشبكة مؤسسات البحث. إذ نحن موجودون في 130 بلداً. إنها ورقة رابحة هائلة ليست إلا في حوزة القليل من البلدان على هذا النطاق.
وأود الإشارة أيضاً إلى جانب أقل شهرة مع أنه مهم ألا وهو "التعاون اللامركزي". إنه أداة تأثير ونفوذ مهم مع وجود ما يقرب من 5000 سلطة محلية فرنسية تقوم بمشاريع تعاون مع أكثر من 10000 سلطة محلية في 141 بلداً. وأتحدث بطيبة خاطر في هذا الخصوص عن " الديبلوماسية المضاعفة".

فليفهموني جيداً: فرنسا لا تفتش عن التأثير من أجل التأثير. لكن التأثير هو ناقل للاتجاه الذي يسمح بابراز إهتماماتنا وقيمنا لمصلحتنا ولمصلحة التنظيم والتحكم الدوليين. فالفارق بين الوزن والدور، بين الوزن والتأثير، هو ساحة عمل الديبلوماسية.
ولهذا من الضروري أن يكون لديها أهدافها الواضحة وأن تتحرك بانسجام. وتنوي ديبلوماسيتنا رفع التحديات الكبرى التي تحدثت عنها. من هنا عليها أن تتكيف باستمرار لتوسيع قدرتها على إعلاء صوتنا وقيمنا ومصالحنا.
التحدي الأول الذي أريد التطرق إليه هو تحدي السلام والأمن، بالتأكيد إنه تحد كبير. ثمة العديد من بؤر عدم الاستقرار يمكن أن يكون لها تأثيرات تتجاوز المناطق الجغرافية المعنية مباشرة وتهديدنا بشكل مباشر، لاسيما حين تتطور فيها حركات وشبكات إرهابية. مع موت بن لادن والضعف النسبي "للقاعدة" والأمل الذي ولدته الثورات في البلدان العربية، إعتقد البعض بان الإرهاب سوف يتقهقر. وللأسف الأمر ليس على هذه الحال. ولكي تكون مكافحة الإرهاب فاعلة، علينا بالتحرك وأن نضع في ذهننا بأنه يتعين القيام بها من خلال التعاون بشكل رئيسي مع السلطات الوطنية للبلدان المتضررة من هذه الآفة ، حين تقبل بها هذه السلطات، وتنمية المناطق الأكثر تأثراً وتضرراً.
يوجد اليوم قوس أزمات، من مالي إلى أفغانستان مروراً بسورية وإيران والشرق الأوسط، ويتقاطع معه العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية والطائفية وفي الوقت نفسه في مجال الطاقة. المواجهة بين السنة والشيعة حاضرة جداً في الشرق الأدنى، وهي في آن سبب للتوترات ومحل العديد من عمليات الاستغلال والتوظيف. تبقى المسألة الإسرائيلية ـ الفلسطينية منشأ العديد من النزاعات. ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى لإعادة إطلاق عملية السلام. ويبقى الهدف هو التوصل لقيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وضمان أمن إسرائيل.

في إزاء هذه التوترات والنزاعات، من المهم ان يتمتع المرء برؤية واضحة: فالتنمية والدمقرطة والاستقرار السياسي هي ثلاثة أهداف لا يمكن بنظرنا قيادتها بشكل منفصل. فانخراطنا من أجل الاستقرار والأمن لا ينفصل عن إخلاصنا للمبادئ التي تشكل هوية فرنسا ـ تشجيع حقوق الإنسان والحرية والديموقراطية. إن احترام هذه المبادئ هو، في الوقت نفسه، شرط لتأثيرنا وللسياسة التي من الممكن أن تكون فاعلة لأننا نستخدم تأثيرنا. نحن نحمل هذه الرسائل إلى كل المحافل المتعددة الأطراف وفي علاقاتنا الثنائية. ونحمل هذا الهم باحترام ولكن بثبات، في علاقاتنا مع الصين وروسيا وغيرهما العديد. وفي حين نشهد صحوة العديد من المجتمعات، وفي حين تريد الشعوب أخذ مصيرها بيدها، فان فرنسا هي إلى جانب الديموقراطيين وإلى جانب من يحمل إرادة الانعتاق الجماعي هذه. ونعتبر في النهاية بأن الاستقرار والسلام يكسبان الكثير من الدمقرطة.

هكذا نأمل أن نكون قادرين على النظر بثقة إلى الثورات العربية، رغم الشكوك الكبيرة الموجودة. تساند فرنسا عمليات الانتقال السياسي الجارية، لكننا نعرف بأن الديموقراطية لا تبنى في يوم واحد وليس من دون تقطع. وكان الوزير الشاعر الفونس لامارتين يقول:" الوقت وحده يجعل الشعوب قادرة على حكم نفسها بنفسها. والتعلم عليه يجري عبر ثوراتهم". العملية ستكون طويلة وفوضوية على الأرجح. بالطبع، سنعبر عن رأينا حين نعتبر بأن ثمة مخاطر توشك على تجاوز الخطوط الحمر، تتعلق على سبيل المثال، باحترام التعددية السياسية، والحقوق الديموقراطية، وحقوق النساء أو الأقليات.
بهذه الروحية نعالج الأزمات الراهنة، لاسيما الأزمة السورية. فالشعب السوري يعيش الشهادة والمعاناة التي تصدم الضمائر. وفي مواجهة الحال الطارئة، تتعبأ فرنسا أولاً عبر توفير مساعدة إنسانية. ونطور مساعدتنا للمناطق المحررة لكي يتمكن المقاومون من تقوية مواقعهم. ووضع حد لأعمال العنف يمر عبر حل سياسي ـ رحيل بشار الأسد، وإقامة حكومة إنتقالية، وضمانة تقدم لكل مكونات المجتمع السوري. هذا هو هدف جهودنا الديبلوماسية، حتى ولو لم يكن هناك للأسف مخرج سهل لأزمة معقدة جداً.
كما أن قضية النووي الإيراني هي موضع قلق بالغ. من حق إيران، وتنفيذاً للمعاهدات الدولية، امتلاك قدرات نووية مدنية، ولكن حصولها على سلاح نووي ينطوي على مخاطر الانتشار النووي وزعزعة لإستقرار كل المنطقة، وهذا لن يكون مقبولاً. نمارس حيال إيران مسعى مزدوجاً من العقوبات والحوار، من دون الوصول إلى نتائج كبرى حتى الآن. تكمن أكثر الشكوك خطراً في احتمال الانتشار النووي وتداعياته.
يتحول إنخراطنا في أفغانستان من وجود عسكري إلى تعاون مدني، مع رحيل قواتنا المقاتلة والتصديق على معاهدة الصداقة بين بلدينا. ومن المستحسن أن تتقدم أفغانستان على طريق الاستقرار والتنمية والديموقراطية، وهذا نحن ما نساهم فيه، وإلا ستعود مرة أخرى لتكون مرتعاً للإرهاب والتطرف.
هذه هي الحال أيضاً في الأزمة الساحلية ـ المالية التي تشهد قيام بؤرة أساسية لعدم الاستقرار في غرب أفريقيا، مع وجود مجموعات إرهابية تعتبر فرنسا وأوروبا عدواً لها. لا الدول الأفريقية ولا نحن يجب أن نخاطر، في انتشار الفوضى بشكل دائم في هذه المنطقة. تتعبأ فرنسا إلى جانب الأفارقة من دون الحلول مكانهم. وعبر لاسيما المنظمات الإقليمية، عليهم تشجيع بلورة أفق سياسي، وضمان إحترام سلامة أراضي مالي، وعندما تحين الساعة، تقديم حل أمني لمشكلة الإرهاب.
الادماج السياسي والأخذ في الاعتبار التطلعات الشعبية والتنمية هي محددات يجب أن تسمح في النهاية باستقرار قوس الأزمات هذا.

****
التحدي الثاني الذي أريد التطرق إليه هذا المساء يتعلق بالإقتصاد وبشكل أوسع بالتنمية. إذ لم يعد بالامكان تجاهل المآزق الناجمة من الاقتصاد غير المنظم والمتفلت والمغالي في تحكم العقلية المالية به، وكذلك الحدود القصوى البيئية والاجتماعية وفي مجال الطاقة التي بلغها نموذجنا للتنمية. إن نقل مركز الثقل الاقتصادي للعالم إلى آسيا والجنوب يفرض إعادة نظر بالطريقة التي ندرج نفسنا فيها في مبادلات التجارة العالمية. وهذا لتفادي استمرار عولمة التجارة على النمط غير المتعاون السائد اليوم، وغالباً ما يكون مدمراً للبلدان المتطورة، وفي نهاية المطاف خطراً على الجميع.
تدافع فرنسا عن مفهوم معين للتنمية في القرن الواحد والعشرين. ولكي يكون النمو مستداماً، في فرنسا كما في العالم بأسره، نعتقد بأنه لا يمكن أن يكون مجرد تكرار للماضي. ثمة عدم مساواة شاملة وتدمير للبيئة وأزمات مالية متكررة تؤشر إلى أن من واجبنا ألا ننسى بأن مراحل الإزدهار السابقة تأسست على نموذج لم يكن قابلاً للحياة على المدى الطويل.
التحدي بالنسبة إلينا وبالنسبة للأجيال الجديدة هو بناء هذا النموذج التنموي الجديد الذي يسمح باستعادة السير على طريق الإزدهار والتقدم، وتضييق هوة عدم المساواة وتحسين أدوات التنظيم والتحكم بغية الأخذ لاسيما في الإعتبار التحديات المناخية والبيئية. ولهذا نحن نريد التحرك في اتجاهات متعددة.
تقود فرنسا ما اسميه " ديبلوماسية التنمية" التي تنطوي على إبقاء مساعدتها للتنمية، والتي يضاعفها أكثر التزام السلطات المحلية، والانخراط في المحافل الدولية من أجل تطوير المعايير الإجتماعية وتقدمها وشرط العدالة الإجتماعية ودعم النمو المستدام لاسيما في إطار الأهداف الإنمائية للألفية.
ديبلوماسيتنا بيئية وكذلك إقتصادية. لقد كانت أحد مواضيع مؤتمر السفراء الذي ترأسته الأسبوع الماضي. طلبت من ديبلوماسيتنا تطوير ما أسميه "ردة الفعل الإقتصادية". هذا جزء من التحول الضروري في جهازنا الديبلوماسي لكي نتكيف بشكل أفضل مع واقع العالم، ألا وهو العجز الجسيم في تجارتنا الخارجية. هذا يمكن تفسيره نتيجة عوامل داخلية مرتبطة بقدرتنا التنافسية. لكن في سياق المنافسة الشديدة جداً علينا أيضاً أن نحسن مجمل أجهزتنا التي تساهم في التصدير وفي تحفيز جاذبية أراضينا. وهذا يتطلب المزيد من التعبئة القوية لجهازنا الديبلوماسي لصالح شركاتنا ولاسيما المتوسطة والصغيرة منها. كما يتطلب تسويق فرنسا لدى المستثمرين.
ويتوجب على هذه الديبلوماسية الاقتصادية الأخذ في الإعتبار الخريطة الإقتصادية الجديدة في العالم: وزن القوى الجديدة ـ لاسيما البريكس، بدءاً من الصين ـ والدور المتزايد للبلدان الناشئة الموجودة في كل القارات ـ ومن دون أن أضع لائحة لتوزيع الجوائز، هناك على سبيل المثال، أندونيسيا وفيتنام وأفريقيا الجنوبية والمكسيك وتركيا. إنهم في صدد الإنضمام إلى " الطبقة الوسطى العالمية" ويشكلون في حد ذاتهم أسواقاً جديدة. أفريقيا تخطر في بالي أيضاً التي وعللى رغم هذه الصعوبات، هي قارة المستقبل. ونموها ثابت بالاجمال. يمكنني القول بطيبة خاطر بأننا مع أفريقيا نشكل مستقبلنا بشكل متبادل. وأفريقيا في حاجة إلى عولمة أكثر ضبطاً وتنظيماً، الأمر الذي نشجعه لكي تتطور بشكل مستدام.
يقتضي رد الفعل الإقتصادي الجديد هذا، واقعية أكثر في الساحة التجارية والأخذ في الإعتبار شرط المعاملة بالمثل. لقد كنا نحن ، أي في الاتحاد الأوروبي ـ مغالين في السذاجة في الماضي. علينا أن نعرف بأن قيمة العقود الرسمية في القطاع العام في أوروبا الممنوحة لشركات من بلد ثالث بلغت 312 مليار أورو ، لكنها لم تتجاوز 34 ملياراً في الولايات المتحدة. يتعين على أوروبا أن تكون مفتوحة وليس "مقدمة على طبق من فضة". يجب إقتراح المعاملة بالمثل، في إطار ما نسميه " التجارة العادلة". هذه المعاملة بالمثل تلمس لب القضية: تبعيتنا المفرطة لبعضنا البعض تحول دون ان يواكب النمو المشروع للبلدان الناشئة حصول تسونامي إقتصادي حقيقي في البلدان المتقدمة.

***
وفي مواجهة تحديات الأمن او الازدهار نحن نضع أولوياتنا موضع التنفيذ. لا نريد ولا يمكننا القيام بذلك بمفردنا. بالطبع يندرج عملنا في الإطار الأوروبي. أوروبا هي مصيرنا المشترك، وهذا هو التحدي الثالث الذي أتطرق إليه.
مع ذلك، فان الأزمة وضعت اوروبا في تجربة مرة. ولقد جسدت أوروبا وعداً بالسلام والإزدهار. للأسف هذا الوعد مطروح للمناقشة اليوم. والصعوبات التي نمر بها هي بالإجمال تركة السنوات العديدة من عدم التبصر والاستشراف. فهي تركت إقتصاداتنا تضعف، وديننا وعجزنا يتراكم. وتركت العنان لتجذر مواطن الخلل وعدم الإتساق في التكامل الأوروبي غير المتوازن، الذي يعاني من "خلل في البناء": من جهة، هناك عملة موحدة ـ الأورو ـ ومن جهة أخرى بنى مالية وموازناتية واقتصادية وسياسية غير متكيفة لكي تدير إقتصاداتنا بشكل مشترك. ولقد إعترف البعض منذ وقت طويل بأنه من المستحيل بمكان الحفاظ بشكل مستدام على عملة مشتركة من دون تشكيل حكومة إقتصادية حقيقية! لكن لم يتم استخلاص العواقب.
ولهذا فان إعادة توجيه أوروبا وإعادة إطلاقها هما ضرورة. ولقد حصلنا في قمة بروكسيل نهاية حزيران / يونيو أخيراً على وضع هدف النمو في قلب الاستراتيجية الأوروبية للخروج من الأزمة. إن إعادة التوجيه هذه تستدعي إجراء مراجعات اخرى. والتحدي هو بناء " أوروبا متضامنة" بشكل فعلي تسمح لنا بالتحرك معاً من أجل النمو، وتأمين تخفيض ديون القارة بطريقة منظمة وتضامنية لوضع حد للإختلالات التي تعاني منها منطقة الأورو ويعاني منها الإتحاد في العولمة.
لتحقيق ذلك، نحن نعمل مع ألمانيا لكن أيضاً مع إيطاليا وإسبانيا وجميع شركائنا: الشراكة الفرنسية ـ الألمانية حاسمة ، ونحن متمسكون بها بشكل عميق ونتمنى تقويتها، ولا يجب أن تكون حصرية أو غير متوازنة.
نحن عازمون على العمل في عدة ميادين: التغلب على أزمة الديون السيادية، والحصول على نمو مستدام، وتحسين حوكمة الإتحاد. إننا نأمل في استحداث إتحاد مصرفي حقيقي مع صندوق ضمان الودائع وآليات حل الأزمات. وكذلك التقدم باتجاه التماسك المالي الحقيقي، في مقابل المزيد من التنسيق بين الموازنات الوطنية لتعزيز التضامن مع إدخال سندات الأوروبوند. يجب أن نُعطى أيضاً الوسائل لإطلاق مشاريع مشتركة من شأنها أن تدعم النمو لدينا ـ في ميدان الابتكار والبحث والتنمية المستدامة والبنى التحتية. ستقترح فرنسا ـ وزارة الشؤون الخارجية تعمل على ذلك ـ تعاوناً أوروبياً وثيقاً أكثر في ميدان الطاقة. ويتعين على الإتحاد الأوروبي أيضاً إمتلاك موارده الذاتية لاسيما عن طريق الضريبة على المعاملات المالية.
هذه الخطوات المتقدمة التي نأمل في تنفيذها في الأشهر المقبلة تنطوي على تعزيز الرقابة الديموقراطية، لاسيما من أجل أن تكون سلطة البرلمانات مضمونة. و جملة من الابتكارات ستكون ضرورية من أجل الأخذ في الإعتبار أشكال التعاون الذي ستقام وفق هندسة متغيرة.
يتعين لاسيما على أوروبا أن تطور تعاونها في ميدان الدفاع. إن جمع بعض قدراتنا هو أمر لا مفر منه في نهاية المطاف. ونحن نعمل عليه لاسيما مع ألمانيا وبولونيا وإيطاليا وإسبانيا في إطار فايمار + ومع البريطانيين.
في هذا العالم الذي وصفته وهو قيد إعادة التشكل، تحتل قضية الجوار الأوروبي محل إهتمام ثابت من قبلنا. فمن مصلحتنا ومصلحة أوروبا تطوير علاقات وثيقة على الأصعدة السياسية والإقتصادية والثقافية والتربوية والمجتمعية. وعليه طبَّعنا علاقاتنا مع تركيا ونتمنى جعل علاقاتنا مع روسيا أكثر إيجابية ومن دون سذاجة. جنوباً، إن الأورو ـ متوسطية هي إحدى أولوياتنا. سياسياً، وفي إطار الإضطرابات التي تؤثر على العالم العربي، لابد من الحفاظ على حوار وثيق بين حكومات ضفتي المتوسط. إقتصادياً، سنربح جراء تطوير علاقاتنا التجارية وهيكلة سلم القيم في إطار ما نسميه " عملية الجمع في مكان مشترك" على سبيل المثال.

***
السيدات والسادة، هذه بعض العناصر للإشارة إلى كيفية ما تعتزم فرنسا عمله في مواجهة التغييرات في العالم. ولقد تطورت مهنة الديبلوماسي لمواكبة هذه السياسة الخارجية. ومن بين هذه التغييرات، أذكر بأن الديبلوماسية كانت تقليدياً تخص بالاهتمام العلاقات من دولة إلى دولة ، أما من الآن فصاعداً، فهي تتطور وعليها أن تطور أكثر فأكثر العلاقات مع المجتمعات المدنية في المستقبل. يتعين على ديبلوماسيينا أيضاً التشديد، كما قلت، على "رد الفعل الإقتصادي"، وهذا يعني تعزيز تدريبهم وتكثيف علاقاتهم مع الأوساط الإقتصادية ويكونون مثابة الممثل الحقيقي لـ "بيت فرنسا". مهنة الديبلوماسي الجديدة ـ ربما تكون مهنتكم غداً ـ ستكون أيضاً مهنة الإتصال والإقتصاد.

إلى جانب هذه التغيرات، هناك أيضاً ـ لقد شددت على ذلك ـ ثوابت. هوية فرنسا على الساحة الدولية ـ الاستقلال، والقدرة على التحدث إلى الجميع، وتشجيع الحرية وحقوق الإنسان، والفرنكوفونية ـ التي من مسؤوليتنا ومصلحتنا البقاء أوفياء لها، هي قاعدة تأثيرنا وبعد مهم لإشعاعنا. أعرف الشكوك والمخاطر المحدقة بعالمنا، ولكن أعتقد بأنه حين تكون لدينا إرادة لدفع السلام والحق والتنمية والتضامن إلى الأمام، سيتوفر السبيل للتغلب عليها. ولهذا في حوزة فرنسا ـ آمل أن أكون أقنعتكم ـ مميزات وأوراق رابحة مهمة، ولديها العزيمة والإرادة.

وشكراً
.

منشور في 11/09/2012

اعلى الصفحة